طه عبد الرحمن

30

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

بالصيغة الكاملة لمقصودنا منه ، أي " مكارم الأخلاق " ، حتى يبقى القارئ على بيّنة من هذا المقصود ويستحضره أثناء قراءته لبقية فصول هذا المؤلّف . والاعتبار الثالث أننا جرينا على عادتنا في استخدام المفاهيم المتداولة في الممارسة الإسلامية العربية حيث يستخدم غيرنا مفاهيم تحذو حذو المنقول الفلسفي الغربي حذو النعل بالنعل ، حتى كأنه لا مشابهة ولا مقايسة ، إطلاقا ، بين مضامين هذا المنقول وبين ما جاءت به الممارسة الإسلامية من عندها ، الأمر الذي أدى إلى قيام ازدواجية في الفكر الإسلامي العربي لم تورّث أهله إلى حد الآن إلا الجمود على ما نقلوه ، فحرموا أيما حرمان من ممارستهم حقهم في الإبداع الفلسفي المختلف ، في حين لو أنهم كانوا يردّون ما ينقلونه إلى ما عندهم أو على الأقل يقرّبون بينه وبين ما بأيديهم ، لكان لهذا الفكر شأن آخر وأتى بما لم تأت به الأوائل . وبعد بيان الاعتبارات الثلاثة التي حملتنا على إيراد سؤال الصلة بين الأخلاق والدين في الصيغة التي أوردناه بها ، نقول بأن من يتأمل في هذه الصلة يجد أنه لا يمكن حصرها في وجه واحد ، بل ينبغي اعتبار وجوه عدة فيها ؛ ذلك أنها قد تكون علاقة تاريخية ، بمعنى أن الأخلاق والدين شهدا أحداثا معينة ومرا بأطوار محددة ؛ وقد تكون علاقة نفسية ، بمعنى أنهما يمدّان الإنسان ببواعث ومقاصد مخصوصة ويولّدان عنده مشاعر ومسالك معلومة ؛ وقد تكون علاقة اجتماعية ، بمعنى أنهما ينشئان بين الناس علاقات منتظمة ومصالح مشتركة تحتضنها جملة من المؤسسات وتحميها أنواع من الجزاءات ؛ وقد تكون علاقة منطقية ، بمعنى أن لهما خصائص صورية تورّثهما قدرة استدلالية معينة ؛ وقد تكون علاقة معرفية ، بمعنى أنهما ينطويان على مبادئ ومعايير أولى تنزل منزلة الأصول التي يتفرع أو يتأسس عليها سواهما ، وقد تكون علاقة كيانية ( أي " أنطولوجية " ) ، بمعنى أن العلة في وجودهما مشرّع إلهي أو مشرّع إنساني يضمن نفعهما للأفراد والجماعات ، وما شابه ذلك من الوجوه . إلا أن الملاحظ هو أن فلاسفة الغرب لم يتناولوا هذه العلاقة بين الأخلاق والدين من تلك الوجوه المختلفة كلها ، بل اقتصروا على بعضها ، وقد لا يتعدّون أحيانا الوجه الواحد ، فضلا عن أنهم قد لا ينبهون دائما على طبيعة الوجه الذي أخذوا به أو لا يتكلفون تفصيل الوجوه القليلة المأخوذ بها ؛ ولم يكن يعنيهم أساسا في تناولهم لهذا الوجه أو ذاك إلا الاتجاه الذي قد تتخذه هذه العلاقة ذات الطرفين :